Quantcast
Channel: صحيفة الخليج | ثقافة
Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

ما بعد العلمانية

$
0
0
محمدو لحبيب
ربما لم يثر مصطلح في التاريخ الإنساني المعاصر مثلما أثار مصطلح «العلمانية»، من حيث ارتباطه بمفاهيم كالحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلاقته الجدلية الإشكالية بالدين والتي تبرز غالباً في شكل عدائي صريح، كل ذلك جعل العلمانية مفردة شائعة ومألوفة لدى الكثيرين حول العالم حتى وإن غاب عند البعض فهم عميق لتطوراتها التاريخية.
لكننا الآن بتنا وفي عصرنا الحالي نشهد ظهور مصطلح آخر، ربما يؤرخ لمرحلة جديدة، وهو مصطلح «ما بعد العلمانية».
ففي وجه ذلك الموقف الحدي القديم من الدين والذي برز مع توماس بين في كتابه «عصر العقل»، وتم تداوله بعد ذلك ليصنع علاقة العلمانية مع الدين، ها نحن نشهد في عصرنا الحالي محاولات جديدة لصياغة علاقة مختلفة للعلمانية بالدين تحت شعارات من قبيل التكامل والتواصل.
وأبرز من تحدثوا في هذا الأمر ونظّروا له هو الفيلسوف الألماني المعاصر يورجن هابرماس، الذي يرى أنه «إذا استمر المواطنون العلمانيون في تعزيز تحفظاتهم حول الناس ذوي الذهنية الدينية على أنهم أناس لا يمكن أخذهم بجدية، فإنهم يكونون بذلك قد قوّضوا القواعد الأساسية للاعتراف المتبادل الذي تقتضيه المشاركة في المواطنية».
هذا الإطار النظري الذي يؤصله هابرماس أكثر فأكثر في نظريته عن الفعل التواصلي، هو ما شكل أساس فكرته عن مصطلح «ما بعد العلمانية».
ويرى الفيلسوف الألماني ووريث مدرسة فرانكفورت الشهيرة أن القناعة العلمانية التي سادت لفترات ماضية والمختزلة بأن الدين سينقرض في المجتمعات بسبب التحديث المتسارع قد انهارت، وأن ثمة ثلاث ظواهر متشابكة ومتداخلة تؤشر على عصر عودة الدين وهي: التوسع التبشيري والتطرف الأصولي، والتوظيف السياسي للعنف المستخدم من قبل جماعات دينية عديدة حول العالم.
ويشير هابرماس إلى أن ضعف نظرية العلمانية عائد إلى التسرع في استخلاص الاستنتاجات التي تصنع استعمالاً غير دقيق لمفهومي «العلمنة» و«التحديث».
من هذا المنظور يمكن فهم أن مصطلح «ما بعد العلمانية» جاء لتصحيح الاختلالات التي ظهرت في مجتمعات العلمنة والقضاء على ذلك التفاوت والتباعد بين قطاعات عديدة من المجتمع، ومحاولة إبراز اللحمة الجماعية في شكل تواصلي جديد.
ويشير مصطلح «ما بعد العلمانية» إلى اعتراف ولو متأخر بدور الدين كمؤثر في الشخصية الإنسانية في أغلب العالم، وتخل واضح وصريح عن محاولة العلمانية الإقصائية فرض نموذج عدائي تجاه الدين باعتباره منافساً لها في إطار ما تسميه سعيها لتحرير الوعي الإنساني.
وبحسب التنظيرات الموجودة حتى الآن لمجتمع ما بعد العلمانية، فهو مجتمع لا يلغي العلمانية بل يعتبرها على الأقل في أوروبا وأمريكا حاضنة أساسية لتطبيق فكرة ما بعد العلمانية.
وفي مجتمع ما بعد العلمانية سيكون للدين دور مؤكد انطلاقاً من اعتبار تأثيره الكبير والفعال في الأخلاق العامة للبشر، وسيتطور إدراج الدين في الشأن العام ليتخطى مرحلة الحظر الذي كانت تفرضه العلمانية التقليدية عليه باعتباره أمراً متجاوزاً ومكرساً للوهم.
ويمكن تأويل ظهور مصطلح «ما بعد العلمانية» على أساس أنه مؤشر على تطور واع، ومتنام بهذه التغييرات العميقة التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية على مستوى العلاقة بالدين، ومحاولة لاستيعاب وتجاوز الفهم المتطرف لدى بعض الجماعات، والذي يأتي في الأساس كرد فعل على التطرف العلماني الإقصائي من الجانب الآخر.
وبالنظر للتطورات الحالية التي تشهدها أوروبا وأمريكا في إطار عودة الشعبوية وارتباطها بالتيارات الدينية فإن مصطلح ما بعد العلمانية يمكن أن يجد ترسيماً أكبر على مستويات السياسة واتخاذ القرارات المؤثرة في الشأن العام.

pechike@gmail.com


Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

Trending Articles



<script src="https://jsc.adskeeper.com/r/s/rssing.com.1596347.js" async> </script>