Quantcast
Channel: صحيفة الخليج | ثقافة
Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

صناعة أدب الطفل

$
0
0
محمد ولد محمد سالم

في كل المنتديات المتعلقة بأدب الطفل في الوطن العربي، ترتفع الأصوات مشتكية من ندرة هذا النوع من الأدب في الكتابة الإبداعية العربية، ومن كون الموجود منه لا يرقى إلى المعايير العالمية لأدب الطفل، ولا يستطيع أن يشبع حاجة ورغبة الطفل العربي، ويطالب أصحاب تلك الشكاوى بضرورة وجود إبداع عربي حقيقي في مجال أدب الطفل، حتى لا يبقى الطفل عرضة لما يقدم له من كتابات أجنبية، لا تمثل مجتمعه ولا قيمه.
الكتابة للطفل، مثلها مثل الكتابة للبالغ، هي إبداع، يتلعق قبل كل شيء باستعدادات الكاتب ومواهبه ووعيه وأصالة انتمائه للقيم الإنسانية والحضارية لمجتمعه، وهذا النموذج من المبدعين نادر، وإن وجد فقد لا يحظى بالاهتمام اللازم لوصول كتاباته إلى الطفل العربي، لأن هناك أصواتاً مدوية ونماذج صارخة من الكتابات تكتسح الساحة، وهذه الأصوات هي التي يريدها الناشر، ويريدها المنتج التلفزيوني، لأنها تقدم أدبا يحاكي نماذج سائدة في الكتب المترجمة، وفي الأفلام الكرتونية المدبلجة، إنها قصص الحركة والمغامرات الخيالية الجوفاء، التي تسلب الطفل عقله وإحساسه الإنساني، وتجعله مجرد عين وأذن ترى حركة هائلة وتسمع أصواتا مدوية، تأخذ لبه وهو يتابع تلك السلاسل الحركية الصوتية المتلاحقة حتى النهاية.
وهي نهاية لا تغرس فيه المشاعر الإنسانية النبيلة، ولا تساعد عقله الصبيَ على التفتح والوعي بقيم الحق والعدل والحرية، وبدلاً من ذلك تجعل إحساسه متوحشاً، وعقله بليداً، وردود فعله عنيفة، فهو لا يرى إلا صوراً من العنف والبطولة الهوجاء التي لا هدف لها، والتي لا تصنع في النهاية سوى قتلة مجرمين.
لا يعني ذلك أن على أدب الطفل التخلي عن الصورة والصوت والحركة، بل ينبغي أن تظل موضع التركيز في كل خطاب يتوجه إليه، لأن حواسّ الطفل أقوى من عقله، وهو ينجذب لكل ما يبهر تلك الحواسّ، ويتبعه، ولكنّ ذلك الانبهار ينبغي أن يكون طُعماً يقود لخطاب عقله الغض، وتفتيح وعيه الذكي، وتقوية مشاعره النبيلة، فبالصورة يكتشف الطفل عقله ويكتسب وعيه، ويتعرف إلى ذاته كإنسان، كي لا تبقى صورة خرقاء تقود للشر.
لئن كانت الكتابة للطفل إبداعاً يتعلق بالكاتب أولا، فإنها أيضاً صناعة وبرنامج تنشئة يتعلق، في مستوى ثانٍ، بالمؤسسات التربوية والنشرية ومؤسسات الإنتاج التلفزيوني، وغيرها من المؤسسات التي تعنى بتربية الطفل وتنشئته، فهذه المؤسسات عليها مسؤولية تمويل البحوث والدراسات في مجال أدب الطفل العربي، بحثاً عن نموذج فني عربي، وعليها الترويج للنماذج الجيدة التي تقدم إبداعاً يغذي مشاعر وعقل الطفل بما هو إنساني، وما ينمي الوعي، لا ما يملأ الحواس بالعنف والقتل والدم، ويصنع مجرمين مليئين بالحقد والكراهية للإنسانية، يقتلون كما يشربون جرعة ماء، فمن دون وجود بيئة مؤسسية واعية بمسؤولياتها، لا يمكن أن يحصل الطفل على ذلك النموذج الأدبي الذي يبني فيه الإنسان، وسيظل عرضة لتلك النماذج السيئة التي تبني فيه الشيطان.

dah_tah@yahoo.fr


Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

Trending Articles



<script src="https://jsc.adskeeper.com/r/s/rssing.com.1596347.js" async> </script>