Quantcast
Channel: صحيفة الخليج | ثقافة
Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

الشاعر والإيديولوجيا

$
0
0
علاء الدين محمود

لم يمض الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو 1933 2017، بهدوء، فقد أثار خبر موته أمس الأول بالولايات المتحدة، عاصفة كبيرة، كتلك الأسئلة التي تفجرت في نصوصه الشعرية، تذكر الناس بحقب مضت، وتواريخ صنعتها المواقف الناقدة والمتذمرة التي تحكي عن موقع الشاعر في روسيا، فهو هنالك ليس مجرد شاعر، الشعراء في روسيا كما الفلاسفة يضيئون الطريق، وقد كان يفتوشينكو صاحب موقف مختلف، فهو وقف إلى جانب الفكر الماركسي، لكنه ضد الأدلجة، ضد الستالينية، وهو موقف معقد جداً، فالكثير من الأدباء الذين برزوا ضد الدولة السوفييتية، كانوا في الأصل ضد الماركسية تماماً، ضد الرؤية التي تحملها الدولة السوفييتية، بينما كان يفتوشينكو يقف مع الفكرة، ولكنه ضد حمولتها الأيديولوجية القاسية، التي صنعت دولة شمولية، أسست للديكتاتور وحكمه، الذي أدخل السوفييت في مرحلة أهدرت الإنسان والقيم والثقافة، وتوجهت بالعداء نحو المثقفين والشعراء والأدباء.
كانت علاقة يفتوشينكو بحزب الدولة علاقة حملت طابع العداء، فهم لم يفهموه، ووجدوا في نقده للحزب نقداً هداماً يمثل حالة عداء مطلق، وكان يقول ساخراً: «لقد كتبت مقالات ولم أكتب تقارير تحمل الوشاية»، ويعبر عن موقفه السياسي والفكري تجاه الدولة وحزبها فيقول: «دافعت عن الموهوبين، في ذلك الزمن الغريب، حين كان الشرف البسيط يسمى جرأة»، غير أن الرجل سخر حتى من موقف الغرب تجاه أفكاره وأشعاره، فقد وجد أن موقفهم منه، إنما جاء معبراً عن حجم الاستقطاب السياسي، وأنهم في الغرب وجدوا فيه مجرد رجل يقف ضد الاتحاد السوفييتي، وقد سخر كثيراً من هذا التنميط، الذي يقيس به الغرب المواقف الفكرية.
والواقع أن شاعرنا كان له قاعدة جماهيرية كبيرة داخل الاتحاد السوفييتي، وكانت أشعاره تجد صدى كبيرا لدى الناس، لقد مثل دور الملهم للكثيرين، وكان ذلك ما يقلق الدولة آنذاك، وقد اعتبر فيما بعد، رمزاً من رموز مرحلة الانفتاح الثقافي السوفييتي بعد حكم ستالين، وقد كان بالفعل من رموز الاعتراض في المرحلة القصيرة من الانفتاح، التي عرفها الاتحاد السوفييتي في عهد نيكيتا خروتشوف مطالع الستينيات، وهي مرحلة تميزت بالانفتاح في اتجاهات عدة، وأهمها تجاه الحقيقة ونقد الذات، نشط فيها المفكرون والمثقفون في نبش كل ما استبعدته المرحلة الستالينية وناصبته العداء، وأعيد الاعتبار لمثقفين ومفكرين، ظلمتهم الستالينية واضطهدتهم، وأعادت إنتاج كتاباتهم وأعمالهم الفكرية، بعد أن أعيدت من المخابئ، وكان لفغيني يفتوشينكو دور كبير وهام في هذه المرحلة القصيرة في حياة الاتحاد السوفييتي، قبل أن يعود لحضن الستالينية مرة أخرى.
واعتبر يفتوشينكو بالفعل شاعراً كبيراً له رصيد شعري كبير، هو جزء من الثقافة الروسية، واعتبر شعره متبصراً يحمل هموم الإنسان المضطهد، ولقد تنبأ في أشعاره بانهيار الاتحاد السوفييتي، في مذكراته التي كتبها في الولايات المتحدة، حيث عاش في السنوات العشرين الأخيرة من حياته هنالك حتى وفاته أول أمس.


Viewing all articles
Browse latest Browse all 18139

Trending Articles



<script src="https://jsc.adskeeper.com/r/s/rssing.com.1596347.js" async> </script>