الكتابة عن شاعر بقامة إبراهيم طوقان مهمة تحفها المخاطر، كمن يريد أن يصف جبلاً أبياً بمجده وتاريخه في بضعة سطور، كيف لا وهو شاعر الوطن وابنه البار، الذي سخّر قلمه من أجل شعبه وأمته، وكان مداد حرفه من روحه النبيلة وفكره المنير، لتظل أشعاره خنجراً في خاصرة المعتدي.
ولد طوقان عام 1905 في مدينة نابلس التي كانت وما زالت تسجل صفحات مشرقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وفيها تلقى تعليمه الابتدائي، ثم انتقل إلى مدرسة المطران «سانت جورج» في القدس، حيث تفتحت عيناه على كنوز الأدب العربي، وبدأ يحاول كتابة الشعر، ولعل قداسة المدينة ومكانتها فتحت قريحة الشاعر وألهمته الكثير.
في سنة 1923 انتقل طوقان إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الأدب، ونشر آنذاك أول قصائده، وتعتبر هذه الفترة من أخصب مراحل عطائه، ثم نشر قصيدة «ملائكة الرحمة»، التي كانت علامة فارقة في مسيرته الشعرية، فقد نالت اهتمام العديد من القراء، وتوالى بعدها نتاجه الشعري والوطني والإنساني.
ثم عمل مدرساً في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، وظل فيها عاماً واحداً شهدت فلسطين خلاله ثورة 1929، فكان طوقان ينظم الشعر الوطني صرخات حافزة وناراً مشتعلة في وجه الظلم والظلام، ومن أشهر قصائده آنذاك «الثلاثاء الحمراء»، التي كتبها عقب إعدام الشهداء فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ثم ألقاها بإحساسه المعبر وعاطفته الصادقة الجياشة، ملهباً قلوب الجماهير.
لكن طموح طوقان وتطلعاته كانت تتجه صوب الصحافة والإعلام، وعندما تأسست إذاعة القدس سنة 1936 تسلم القسم العربي فيها، وعين مديراً للبرامج العربية، ومع توالي برامجه الهادفة والناجحة ادعى أعداؤه أنها ترمي إلى تحريض الشعب على المستعمر، فأقيل من عمله عام 1940 من قبل سلطات الانتداب البريطاني.
إثر ذلك انتقل إلى العراق وعمل مدرساً، وكان يعاني مرضاً في العظام فأنهكه السفر، فعاد إلى مدينته نابلس مريضاً، ثم توفي مساء يوم الجمعة في 2 مايو/ أيار عام 1946، وهو في سن الشباب لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره في المستشفى الفرنسي بالقدس، تاركاً إرثاً شعرياً ثرياً، يقف شاهداً على شجاعته وبسالته تجاه قضايا شعبه ووطنه.
Najatfares2@gmail.com