تواصلت، أمس، فعاليات «مؤتمر دبي للترجمة»، في يومها الثاني، في جامعة «محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية» في دبي، الذي تنظمه مؤسسة الإمارات للآداب، بالتعاون مع المجلس التنفيذي لحكومة دبي،وتخللت فعاليات، يوم أمس، نقاشات وورش عمل تتعلق بجوانب الترجمة كافة، حيث عقدت ثلاث جلسات هي: «من كاتب إلى مترجم، ومن مترجم إلى كاتب»، و«شاشة كبيرة وحروف صغيرة، استيعاب برامج السينما والتلفزيون من خلال الترجمة»، و«الدبلوماسية الأدبية، تغيير التوجهات، ومكامن الخطر في الترجمة».
وفي الجلسة النقاشية الأولى: «من كاتب إلى مترجم، ومن مترجم إلى كاتب» تحدث فيها: المترجم والكاتب البريطاني ليزلي ماكلوكين، والمصرية أهداف سويف، والإماراتية نورة النومان عن تجاربهم مع الترجمة والتصدي للأطروحة التي حملها العنوان، وإبراز الفوائد العائدة على عملية الترجمة، حيث تطرق النقاش إلى ضرورة أن يكون المترجم كاتباً، أو صاحب مقدرة إبداعية خاصة، حيث الترجمة في الأخير يجب أن يتصدى لها مترجم يعمل على تطوير مقدراته وأدواته، بداية تحدث ماكلوكين، عن خبراته في مجال الترجمة، وقدم نفسه بوصفه مترجماً فورياً، موضحاً أن أهم محطاته في الترجمة عندما بدأ عام 1983م، مترجماً في حضرة رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر. وفيما يتعلق بأفضلية أن يكون المترجم كاتباً، لم يعط ماكلوكين رداً قاطعاً، غير أنه أشار إلى نقطة مهمة عندما ذكر أن من الأخطار الكبيرة في عملية الترجمة أن يلجأ المترجمون إلى تجميل النص المترجم ويكسبونه أبعاداً لا يحتويها، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق بمهارة الكتابة، وضرب ماكلوكين مثالاً على ذلك بمترجم عمل في المملكة العربية السعودية عام 1975م، وكان شاعراً ويمتلك ملكات إبداعية، ومهمته تتلخص في ترجمة كلام البدو وأشعارهم، وكان يقوم بتلك المهمة بشكل جيد، غير أنه لجأ إلى تجميل النصوص، لافتاً إلى أن ذلك يعد عملاً غير مرغوب وخطر على الترجمة.
أما الكاتبة الإماراتية نورة النومان، مؤلفة ثلاثية «أجوان» لليافعين، وهي من صنف الخيال العلمي، التي تأتي ضمن بضع أعمال قليلة تصدر بالعربية في مجال الخيال العلمي، ومؤسسة أول دار نشر إماراتية مختصة، بنشر أعمال الخيال العلمي والفنتازيا، فقد أشارت إلى هوايتها بتجريب الأشياء الجديدة، واصفة نفسها أنها في رحلة سواء في الكتابة والتحرير، أو في النشر، وتذكر النومان حبها للكلمات منذ صغرها، وهي المرحلة التي شهدت بدايتها في الترجمة في عمر لم يتجاوز ال18، حيث كانت تقرأ قصائد الشاعر أحمد مطر، وكانت حينها طالبة في جامعة الإمارات، غير أن النومان ذكرت أنها لم تكن تحب علم اللغويات فاختارت دراسة الأدب، وقامت بترجمة قصص قصيرة لمجلة «خيال علمي»، وهو الضرب الذي أبدعت فيه، وشرعت في كتابة الرواية، وساعدها على ذلك تمكنها من الترجمة فتحولت إلى كاتبة.
ومن الأعمال التي وصفتها النومان بالجنون قيامها بترجمة رواية لها من العربية إلى الإنجليزية، وعندما توالت إصداراتها من الكتب، بحثت عن دار نشر متخصصة في الخيال العلمي والفنتازيا، وتقول النومان: «إن صناعة كاتب جيد تتطلب نصاً جيداً، ليتحول القراء أنفسهم إلى كتّاب، وذكرت النومان أنها لم تجد صعوبة في الجمع بين الترجمة والتحرير، فبدأت البحث عن مترجمين بمواصفات خاصة يلمون بين اللغة والخيال العلمي، وتشدد النومان على أهمية معرفة المترجم بمتى وكيف له أن يتدخل في النص، تفادياً للخيانة في الترجمة.
وترى أهداف سويف صاحبة رواية «خريطة الحب»، و«في عين الشمس»، وهي الكاتبة التي اختيرت من بين «المئة شخصية الأكثر تأثيراً على عموم قراء الإنجليزية»، بضرورة أن يجيد المترجم ملكة الكتابة، وأن جزءاً مهماً من هذه الملكة يكمن في توظيف الكتابة، بحيث لا يبالغ الكاتب أو المترجم أو مخرج النص، وتشير سويف إلى أهمية جذب القارئ عبر إثارة مناسبة للنص، ولا بد من إقناع القارئ أن هذا النص يعد حقيقياً، مشيرة إلى ضرورة الإبداع في هذه العملية حتى يتم إقناع القارئ، ليجعله يتعايش مع النص والشخصيات، وتنبه سويف هنا إلى ضرورة التخلص من الكلمات والجمل الغريبة، وأن يمتلك المترجم حساً مختلفاً.
وفي الجلسة الثانية: «شاشة كبيرة وحروف صغيرة، استيعاب برامج السينما والتلفزيون من خلال الترجمة»، فقد بحث المشاركون في كيفية سعي المترجمين إلى بعث الحياة في الأعمال الأجنبية من جديد، من خلال الترجمة التي تظهر على الشاشة في الأفلام والبرامج التلفزيونية الأجنبية، وتصدى المشاركون للإجابة عن أسئلة: هل تفي هذه الترجمة بالغرض؟ وكيف يمكن الارتقاء بمستواها؟، وشارك فيها: المخرجة نجوم الغانم، وفراس الشاعر، والمترجم محمد حماد، حيث عرض جزء من فيلم «سماء قريبة» للمخرجة الغانم التي تعد من أشهر صناع الأفلام في المنطقة، وصاحبة إنجازات عديدة، وأوضحت أن علاقتها مع الترجمة بدأت بعد الدراسة الرسمية أو الجامعية، وقدمت شرحاً ممتعاً لبدايات اشتغالها على الأفلام، مشيرة إلى صعوبة ترجمة اللهجة المحلية، وقالت: «إن الصعوبة في نقل المعاني يقود في أحيان كثيرة إلى خيانة في النص المترجم.
أما المترجم محمد حماد فرأى أن المترجم هو أول من يلام، وآخر من يعترف له بالفضل، مشيراً إلى ضرورة تحلي المترجم بالمهارات والإمكانات الإبداعية، فهو لا يتعامل زمنياً بالثانية، بل بأجزاء من الثانية، ويشدد حماد على ضرورة معرفة المترجم باللغتين الأصلية والمترجم إليها، وأن يفلح في اختصار الجمل الطويلة، والتحلي بمهارات سماعية، ورأى أن ترجمة الشاشة ليست سهلة، وتنطوي على كثير من المتعة، وأن صناعة المترجم الجيد تتطلب زمناً كبيراً من التدريب.
بدوره رأى المترجم فراس الشاعر أن الترجمة المرئية تسهم كثيراً في تعليم اللغة العربية، ودلل على ذلك بأول مسلسل مكسيكي مترجم، وكيف أنه نجح رغم أنه ترجم بالفصحى، كذلك يؤكد أهمية التثقيف والمعرفة، وخلال الجلسة تم عرض بعض الأفلام العالمية الكبيرة، التي ترجمت إلى العربية للتعرف إلى الأخطاء، التي صاحبت عملية الترجمة.
وفي الجلسة الحوارية الثالثة التي جاءت تحت عنوان: «الدبلوماسية الأدبية، تغيير التوجهات، ومكامن الخطر في الترجمة»، كشف خلالها المترجمان: هيمفري ديفيز، وفيليب كينيدي، عن مكامن الخطر في الترجمة خاصة في ظل التوسع الكبير في عملية الإقبال على الأعمال المترجمة من مؤلفات، وأفلام، وكذلك عن كيفية مواءمة الترجمة مع الخصوصيات الثقافية، من حيث العادات والتقاليد في المجتمعات المختلفة، وفي ذات الوقت أبرز المترجمان كيفية الانتقال من الوضع الخاص لكل هوية إلى الوضع العام، أي عملية المشاركة الثقافية، وإبراز الثقافات ودورها في التواصل الاجتماعي العالمي بين الشعوب.
دبي: علاء الدين محمود